جاءت هذه الآية الكريمة في نهاية سورة الزلزلة و هي سورة جليلة تتحدث عن أهوال يوم القيامة : ذلك اليوم العظيم الذي تُوفّى فيه كل نفس حسابها بما عملت. و جاء وصف هذا اليوم العظيم بألفاظ تهز القلوب الغافلة و تحرك النفوس الجامدة و هي تأخذنا من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة في آيات محكمات تدعونا إلى التدبر و التفكر و مراجعة النفس و محاسبتها قبل أن تحاسب.
آيتنا اليوم هي خاتمة سورة الزلزلة و نعم الخاتمة هي -آية جامعة تدل على حتمية الجزاء من جنس العمل ، في يوم العدالة سنحاسب على كل صغيرة وكبيرة ، يوم سنسأل فيه عن أدق الأمور و أصغرها قبل كبائرها :" وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا" لا مجال في هذا اليوم لتبرير الأعمال و المماراة بالكلام فسيكون العبد واقفا بين يدي ربه لا حجاب بينهما و سيسأله رب العزة عن أفعاله في الدنيا و حتى و إن كانت له جرأة الإنكار و المراوغة الكلامية فستشهد عليه أعضاءه بعد أن أنطقها خالقها الذي أنطق كل شيء : موقف عصيب سينقسم فيه الخلائق إلى مجموعتين.
المجموعة الأولى ماذا قدمت؟؟ توحيد .. و صلاة و صدقة و صيام وزكاة و بر والدين و.....أعمال خير أخرى سيكون العبد قد نسيها لكن رب العزة لا يظلم أحدا ... أعمال خير بسيطة كنت لا تلقي لها بالا ستكون في ميزان حسناتك يوم القيامة "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره" و الذرة كما كان يظن العلماء هي أصغر جزء في المادة لكن العلم أثبت بعد سنوات مطولة من البحث أنه يوجد في الذرة ما هو أصغر منها و لعل الإعجاز العلمي يتجلى لنا في أبهى صوره في عبارة "مثقال ذرة" أي أن الذرة لها وزن محدد وهوهو مقياس صغير جدا مقارن بالمقاييس الأخرى. و نعود إلى سياق الآية مرة أخرى إن ما يقدمه العبد من خير مهما كان بسيطا فسينشر حتما في صفحة أعماله و سيثقل حتما ميزان حسناته و لعل الحديث النبوي أبلغ مساند لهذا المعني فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأنحينّ هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة" أما الحديث الآخر فهو قوله صلى الله عليه وسلم ـ كما في صحيح مسلم ـ: "بينما كلب يطيف بركية ـ أي بئر ـ قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها ـ وهو خفها ـ فاستقت له به، فسقته إياه فغفر لها به" هذه المرأة لم تكن عابدة قانتة بل وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بالبغي ومع ذلك جازاها الله على صنيعها بالجنة و ماكان صنيعها؟؟ هل بنت مسجدا أو تصدقت بالملايين؟ لا بل سقت كلبا شربة ماء في خفها فكان الله أرحم منها بهذه الدابة و غفر لها و أدخلها الجنة مكافأة لها على شربة ماء.
أما المجموعة الثانية فهي زمرة الخاسرين الذين لم يتوانوا عن فعل المعاصي سيكون يوم القيامة يوم خزي و ندامة لهم يوم تكشف فيه كل أعمالهم و يحاسبون حتى على أبسط المعاصي يوم يعض الظالم فيه على يديه من الندم و ودّ لو عاد به الزمن إلى الوراء ليعمل صالحا في دنياه و لكن هيهات.. ومن الأحاديث التي توضح لنا هذا المعني هذا الحديث المتفق عليه، الذي يخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة دخلت النار في هرة، ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت هزلا. هل ذكر الحديث أنها كانت عاصية أو تفعل الكبائر أو ما شابه بل لم يذكر سوى حبسها للهرة و دخولها النار لذلك السبب. و قد يقوم العبد بارتكاب أشياء صغيرة يظنها غير مهلكة و لكنها عند الله كبيرة و يحسبونه هينا وهو عند الله عظيم.
ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره: ًتنبيه للعباد ليتيقن المتقون من كمال رحمة الله و يخشى المسيئون غضبه و نقمته و من أنذر فقد أعذر حتى لا يكون للعصاة حجة يوم القيامة.